منتدى كلية الهندسة

منتدى لتواصل جميع طلاب كلية الهنسة والخريجين بجامعة الزعيم الازهري - مجمع عباسية
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الرواية الاكثر من رائعة (الطريق للمدن المستحيلة) ج 1

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
jaxa4life

avatar

عدد المساهمات : 18
تاريخ التسجيل : 28/08/2009

مُساهمةموضوع: الرواية الاكثر من رائعة (الطريق للمدن المستحيلة) ج 1   الجمعة سبتمبر 04, 2009 2:03 pm

[b]هب أنك الحاج عثمان سنين، وأنت في الطريق إلى المدرسة الشرقية لزيارة أبنك؛ بعد أن هبطت، قبل قليل، من لوري حاج عمر، القادم لتوه من أم شقايق..
أصلحت عمامتك الوحيدة، وتحسست  جُزلانك، وحسبت الجنيهات التي فيه. أخرجت الجنيه "أبوشنة ورنة" إياه! ثم أضفت إليه الخمسين قرشاً التي أوصتك بها زوجتك (بت النور) لدعم مصروف إبنها الشهري، الذي ـ أنت تعرف أنه ـ سوف ينتهي في صباح الغد؛ موزعاً بين الرفاق... ولكنك لم تنزعج؛ قلت لنفسك: "الأولاد يصيرون رجالا هكذا..."، ثم أن إبنك هذا لم يقصر معك في المدرسة، فهو دائما ما يرفع رأسك في طابور نهاية العام. قلت أيضاً: "ما الولد طالع على خاله..."! ومرت بخاطرك أيام صهرك عبد الرحمن النور، خال الولد. فأضفت خمسين قرشاً أخرى قائلاً: "ياخي، خلِّي الأولاد يفرحوا... هي الدنيا فيها شنو؟ خربانة أم قدود"...
ها هم مجموعة من الطلاب جالسين بجوار سور المدرسة، قرب الباب.. وإنت على نية أن تسألهم، إرتبكت!! "أأقول جومو أم النور!؟؟"ولكن لزوم الرسميات، توكلت على الله وقلت النور. فتلفت الطلاب ولم يذكروا شيئاً من الذي تقول!!  فلما تنازلت عن الرسميات وقلت جومو؛ ضربوا على جباههم بأيديهم (الحرة) في تلك اللحظة وقالوا بنبرة واحدة:
ـ يا آ .. أنت مما تقول كدة من قبيل!!
قال الطالب المديني منهم:
ـ والله جومو دة قبل شوية كان بهنا.
 قال شبه المتمدن:
ـ شوفو في الجنبة التانية ديك .. وأشار إليها:
ـ أما الطالب القروي، فقال:
ـ "أجلس ياعمي.. سأذهب وأبحث عنه وآتيك به"!!
إن الورطة التي دخل فيها الطلاب في البداية، والدقائق التي ضاعت من عمرك إثر الرسميات؛ سببها الأساسي صهرك عبد الرحمن النور ـ مثقف زمن الأحلام ـ الذي فشل في إقناع زوجته ـ بنت الحسب والنسب ـ بأن يسميا ابنهما (جومو) فقام بإسقاط حلمه على ابن أخته؛ التي هي زوجتك! ولكنه طبعاً كفر عن إزعاجه لـ(بت النور) بأن تبرع بخروف آخر للسماية. واستمتع أهل أم شقايق بخروفين بدلاً من خروفك الواحد. ولكن على أية حال؛ ليست هناك مشكلة ـ حسب رأيك ـ فطالما أن أم الولد كانت سرعان ما تتخلى عن الاسم الذي اختارته لابنها ليطابق اسم أبيها ـ وتناديه (جدو)؛ فما فارقه.. جدو وجومو (كله من بعضه). 
وطالما ليس لديك اعتراضات أخرى ـ وقد أفلت اللعب من يدك من البداية ـ فإن جومو الآن هو أحد أفراد شلة (أولاد قرف) أو (عصابة قرف) ـ سمها ما شئت ـ واسمع حكايته الخطيرة:
... وقد كان أبرز أفراد الشلة هم: عثمان شربات، وعلى إسماعيل الكضاب، وأحمد سالم أبو خمسين الذي خسر خمسين قرشه مع إحدى اللعوبات بعد أن أخذ (شرة كاربة). هذا بالإضافة لمحمد الشيخ فريني، وسيد شطة، ومصطفى بطيخة السمين..
ثمة مزاجات ومصائر مشتركة جمعت بينهم، على مر العامين ونيف الفائتين، الذين قضوهما في المدرسة الشرقية. إذ لم تك تخلو لستة مهرجلين من أسمائهم قط! وحتى إن غفل (الألفة)، وسُحبت منه اللِّستة بتدبير ما، فإنه لا يجد صعوبة البتة،  ويقوم ـ أوتوماتيكياً ـ بتدبيجها مرة أخرى وتقديمها للأستاذ متى مر من هناك.
ولكن هؤلاء (الشياطين)، بالإضافة لذلك، قد ساهموا بقدر كبير في تشويه حيطان المدرسة؛ ابتداءً من جدران الفصول وسقوفها، حتى المراحيض. كتبوا أشعار الغزل، الألفاظ النابية، وأسماء الفتيات بحروفها الأولى. ورسموا تقاسيم أجسادهن كما يفعلون مع الرسومات التوضيحية في دفاتر (العلوم). خاصة بعد أن عرفوا الطريق إلى بيت (زوبا)، وجربوا في الواقع ما كان يحدث بالصابون، أو في الأحلام، ليكلفهم ذلك مشقة الاستحمام في الصباحات الباكرة، (ونشر الغسيل) في أواخر النهارات. وفي الحقيقة، فقد كانوا (البصلة المعفنة) التي كان يبحث عنها (السيد المدير) لإلقائها بعيداً عن بقية البصل! وقد دخل السيد المدير في متاهة ذات يوم وهو يتفقد حيطان المدرسة عقب نهاية اليوم الدراسي ليجد الرسومات الخطرة، بتقاسيمها التي لكل منها جملة أو مقطع شعر يحمل اسمها: فعيون (Z) في سقف الفصل:
عيون المها بين الرصافة والجسر
                          جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
فأعجب المدير جداً، رغم اعتراضه على صيغة العبث الجدرانية. وساقه السهم (الدال على ما بعد) إلى تفاصيل نهد (M):
( -------->.. البرتكان نهدك مدردم)
ـ ثم ساقه السهم التالي إلى خصر (F) من الخلف: (--------> الهالكني ...) 
ثم ساقه دليل الأسهم إلى المرحاض الثالث، ليجد تفاصيل ما بين فخذي (A):
(--------> و آآآآآآآي ..)


********************** نواصل المرة الجاية اذا عجبتني الردود**********************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
alkarib

avatar

عدد المساهمات : 527
تاريخ التسجيل : 03/08/2009
العمر : 35
الموقع : الحلاوين

مُساهمةموضوع: رد: الرواية الاكثر من رائعة (الطريق للمدن المستحيلة) ج 1   الأربعاء سبتمبر 09, 2009 4:18 pm

والله قصة جميلة وزي ما ذكرت اكثر من رائعة
ودا ان دل يدل على ان اي اجتماع لشلة مركبة من الفشل والرمتلة
تنحرف مع التيار
الاولاد ديل لقوا في روابط مشتركة بينهم ومبنية على القرف وعدم الوالي
كدي عشان ما نحكم عليهم نشوف الجزء التاني بقول شنو

_________________
انا الكاررررب المالي خريفي وصيفي.....هيييييييييع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
jaxa4life

avatar

عدد المساهمات : 18
تاريخ التسجيل : 28/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: الرواية الاكثر من رائعة (الطريق للمدن المستحيلة) ج 1   الأحد سبتمبر 13, 2009 8:25 am

والغريبة أنه لم يجرؤ أحد، من (المؤدبين) الذين يذمون (البذاءة) جهراً، على "إماطة الأذى عن المرحاض"!!‍ بل لوحظ أن هذا المرحاض بالذات قد كثر رواده لدرجة أنه يطفح أحياناً دون رفاقه! مما يكلف (الألطجي) ساعات عمل إضافية، وبالتالي، يكلف سجلات الحكومة وخزينتها أوراقاً وحبراً و(أوفرتايم). على كل حال، هذه قصة.
ولكن ضمن سيرورة التعبير عن (الواقع)، كان طلاب المدرسة ينقسمون (عرفياً) إلى فريقين: فأنت إما ضمن (أولاد قرف)، إذا كان مصدرك الفقر أو القرية أو الداخلية .. أو؛ ضمن(أولاد كموش) إذا هبطت على المدرسة من أعلى المدينة. أما إذا كنت (جيمس آيول)؛ فلا محل لك من الإعراب!! ‍‍ ولكن هذا التصنيف بأت هلامياً في الآونة الأخيرة بعد أن بدأت تختل موازين تنقلات المدرسين بحجج مثل (الاستثناء لإدارة شئون المنظمات الفئوية)‍‍! هذا بالإضافة لبقاء بعض المدراء لمدد أطول عقب تشمم الناس لرائحة التلاعب في (التعيين)، وظهور متعهدين لم يعرف لهم أصل ولا فصل!
على أي حال، فقد تزايد أولاد كموش في المدرسة وتضاءل أولاد قرف إلى أن أصبحوا نهراً واحداً عكس ما كان يحدث قبل سنوات قليلة.
أيضاً، من الجانب الآخر، فقد أفلت بعض من كموش وأنضم إلى قرف على سبيل المزاج؛ مثل سيد عمر عبد الحفيظ، الملقب بشطه، الذي كان من أمهر لاعبي كرة القدم. وقد أطلق عليه هذا اللقب بسبب أحد الباكات؛ ذلك المسكين، الذي كان يكلف بمراقبة سيد في المباريات. وكان بمجرد أن يستلم الأخير الكرة يفرك عينيه، فيصبح فيه الجمهور "شطة .. شطة .." هذا بالإضافة لمصطفى ابن أحمد العاقب كبير تجار المدينة.
وقد كان من عادة هؤلاء ـ ضمن عادتهم المشاغبة ـ استغلال مهاراتهم اللغوية في كتابة رسائل غرامية إلى حبيبات وهميات، وتداولها بينهم، ماعدا على إسماعيل الكضاب، الذي لم يك للحقيقة مجانبا؛ فهو الوحيد من بينهم الذي استطاع الظفر بقصة حب حقيقية مع إحدى طالبات المدرسة الأميرية. ويحكى عن علي إسماعيل هذا أنه نال لقب الكضاب زوراً وبهتاناً! فهو، بالرغم من أصوله القروية، إلا أنه لم يكن قروياً صرفاً؛ فقد درس المرحلة السابقة متجولاً بين مدن البلاد، مرافقاً لعمه الذي كان يعمل بالسكة الحديد. وبسبب هذه الوضعية، كان على صلة بـ(العالم) أكثر من البقية، ولديه معرفة بأمور كثيرة غائبة عن الآخرين، حازها مما كان يقرأ من المجلات وكتب "الشياطين الطلطاشر" التي كان من عادة أولاد الموظفين أن يتداولوها. وقد كان حبه الشخصي للقراءة يكلفه مضاعفة الجهد في بيع المشروبات والمأكولات في محطات القطار، ليظفر بثمن ما يرضي نهمه في القراءة، بالإضافة للبسكويت والداندرمة والشكولاته. ولكن الحال ذاك لم يدم، فقد (نزل عمه المعاش) وقرر العودة إلى مسقط رأسه ليجد على إسماعيل نفسه من جديد بين رفاقة القرويين القدامي، الذين لم تك تتعدى آفاقهم حدود الكتب المدرسية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
jaxa4life

avatar

عدد المساهمات : 18
تاريخ التسجيل : 28/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: الرواية الاكثر من رائعة (الطريق للمدن المستحيلة) ج 1   الأحد سبتمبر 13, 2009 8:29 am

ولما كان يحكي لهم عن مغامرات الشياطين الطلطاشر، وقصص الأطباق الطائرة، كانوا يموتون من الدهشة. وكانت النتيجة أن أُطلق عليه لقب الكضاب. بيد أن ملابسات هذا اللقب نفسها هي سبب توطيد العلائق القديمة مع جومو، الذي كان بين الفينة والأخرى يطالع بعضا من الكتب والمجلات الخاصة بخاله عبد الرحمن النور، التي كانت مدسوسة في منزلهم لسبب لم يك يعرفه! لذلك، كان يرى بعض المعقولية في ما يحكية على إسماعيل. وكان يعاضده في معاركة الإقناعية مع (القرويين). هذا بالإضافة لقصة صباهما التي سيحكيها لنا على إسماعيل بنفسه في مقبل الأيام.
ولما كان لعلي إسماعيل من كارزيما، وخبرة، فقد أمسى قائداً تلقائياً لمغامرات الشلة. فهو الذي كشف لهم الطريق إلى بيت (زوبا) ليجربوا فحولاتهم هناك. وقد ساهم في جرهم إلى الكثير من المشاكل في المدرسة. ولولا لطف الله ووجود أستاذ عساكر، لكانوا اليوم ـ بالتأكيد ـ في المنطقة الصناعية، أو في موقف اللواري، أو في طريقهم إلى (القوات النظامية). فقد قبض عليهم أستاذ عساكر مرات عديدة وهم يتداولون كيس التمباك في مؤخرة الفصل. ولكن الجريمة الكبرى كانت في بداية السنة الثالثة، عندما استطاع أستاذ عساكر أن يطب عليهم، في هجوم مباغت، ويصادر مجلة الـPLAY BOY !! مما اضطره لإجراء تحقيقات (تربوية) طويلة، ولكنها كانت دائرية ولم تفض إلى شيء!
وبالرغم من تهديده إياهم بأن يرفع الأمر إلى السيد المدير، إلا أنه لم يفعل، واحتفظ بالمجلة (المعروضات) لزوم التهدي فقط. وقد كان ذلك كله بسبب إعجابه بذكائهم ومواهبهم، خاصة بعد أن أبدعوا في عمل وأداء المسرحية التي فازت بها المدرسة في مسابقات المدارس في احتفالات عيد التعليم الفائت، وهم الذين رفعوا رأسه باعتباره المشرف على النشاطات الأدبية والفنية، بالإضافة لـ(وكالة النظام) في المدرسة. وقد كانوا بالنسبة له (المعادل الموضوعي) لمقولة (عماد المستقبل) التي (جنّنتهم) بها السيد المدير في خطبه المتكررة.
وبعد كل ما عرفناه، فلم تك هذي هي المرة الأولى التي (يتجاوز) فيها أستاذ عساكر (اللوائح المدرسية) وما تتطلبه نزاهة الموقع! فقد قام بإخفاء جزء من التقارير عن السيد المدير، لمعرفته بتشدده . فليس من الممكن ـ بالإضافة (للمعروضات) ـ أن يقدم للمدير حكاية (تام زين)؛ (ست الإنداية)‍ التي اشتكت إليه بأن أولاد قرف لم يدفعوا لها ثمن ما شربوه خلال أسبوع، بعد أن ضللوها بأنه (في قروش جاياهم)! وبالتأكيد فإن السيد المدير لن يعيد إليه ما دفعه لها من حر ماله تجاوزاً للفضيحة .. حتى إن تغاضى عن المصير المحتوم لـ(عماد المستقبل) حينها، والهلولة التي ـ لابد ـ سيقيمها أستاذ عبد الجليل إثر ذلك.

****************
بالإضافة لجيمس آيول، الذي لا محل له من الإعراب، كان هناك اثنان آخران من الطلبة (الجنوبيين)، الذين جاءت بهم حكاية (صديقنا منقو) إلى المدرسة. وكان جيمس آيول وبول أشويل يقنطان حجرة صغيرة في الداخلية، كانت يوماً مخزناً! ولم يعرف أحد إن كان ذلك بسبب أفكار يمينية أم يسارية،‍ ولكن ثالثهم مايان دينق، ابن ضابط البوليس، كان أقرب لأن يكون كموشاً.
في بداية أيام الرفقة، صرح شربات بأنه مستغرب لوجود (جنوبيين) في المدرسة!‍ لأنه لم ير ذلك من قبل. ولكن أحمد سالم أبو خمسين ذهب أكثر في مرامي الدهشة، وحكى أنه هناك في قريتهم، فإن كل ما يُعرف عن الجنوبيين أنهم (جانقي). وأن (الجنقاي) لا تخرج حياته عن العمل كأجير في المزارع أو جالب للحطب، أو عمل المشاجرات في بيوت المريسة .. واستدرك أنه بمجرد أن يحل الجنقاي في القرية، سرعان ما يغير اسمه، كأن يسمي نفسه (قرشين ) أو (أربعة يوم). أو.. أو.. إلخ. ولا يُعرف للجنقاي زوجة أو أولاد! وإن عُرفوا فإن أولاده إما أن يعملوا خدامين، أو رعاة للأبقار ويلقبهم أصحابها بـ(العب الصغيّر) و(العب الكبير)‌‌!!
ولكن هاهو مايان دينق أكثر أناقة، وأكثر شطارة من بقية الطلاب! وليس كما تقول الأغنية:
"دود ماني سـرب سـربة
عيال جانقي شالوا الحربـة"
كناية عن عدم شجاعتهم!
كانت المسألة برمتها، عادية بالنسبة لعلي إسماعيل الكضاب.
ولكن جومو كان بين بين؛ فما كان يؤرقه شيء واحد،هو كونهم (مسيحيين)‍. وكان يقول لنفسه "حرام أن يدخل جيمس آيول النار.. فهو إنسان جيد ولا يستحق ذلك لأي سبب..". وكان قد عزم على هدايته للإسلام (تأميناً للموقف) فحسب، فهو يحب الخير للجميع. وقليلاً قليلاً لما توطدت العلاقات، بدأت تتفجر المجادلات حول قضايا لاهوتية لا أول لها ولا آخر. ولكن جومو أحس في النهاية بأن منطق جيمس آيول، لا يقل حُجّةً عما هم به مؤمنون!! وبعد ذلك نمت العلاقة على قاعدة (التواطؤ التسامحي) "لكم دينكم ولي ديني .." واستمر الحوار ودياً بالسكوت عن الأشياء الملغمة.. إلى أن جاء ذلك اليوم الذي أكمل فيه أستاذ عبد الجليل الشرح في حصة (اللاهوت) بعد أن أبان وأوفى عن الإيمان بالكتب الأربعة، ثم مسح يديه من الطباشير قائلاً:
"أهناك سؤال؟؟"
فرفع شربات اصبعه وهو يصيح: "أستاذ.. أستاذ..". فقمعه أستاذ عبد الجليل بصرامة:
"أُجْلُس".
فقد تورط أستاذ عبد الجليل في الحصة السابقة عندما كان يشرح مسألة وجود الله مردداً "إنه موجود في كل مكان"، ففاجأه شربات بسؤوال حسبه قلة أدب:
ـ يعني هسي يا أستاذ ربنا قاعد في الفصل هنا مثلاً؟! أو لو أنا مشيت الحمام ممكن ألقاه هناك!؟؟
لكن هذه المرة قرر أستاذ عبد الجليل إحباط المهزلة في مهدها. فجلس شربات وابتلع سؤاله.
رفع جومو يده، فسمح له أستاذ عبد الجليل بإشارة منه، فقام وألقى بسؤاله هو الآخر:
ـ إنت يا أستاذ قلت الكتب التلاتة التانية دي محرفة ‍ طيب الضمان شنو إنو كتابنا ده ما محرف؟؟
"إن هذا الكتاب قد تعهد الله بحفظه، لذلك سماه اللوح المحفوظ."
ـ لكن يا أستاذ الضمان شنو؟ ما إحتمال الإسم ده عملوه الناس الحرفوه عشان ما في زول يشك؟؟
ـ فوجئ أستاذ عبد الجليل ـ مرة أخرى ـ بهذا السؤال فأمره:
"أجلس واستغفر الله .."
جلس جومو ونفذ بقية الأمر.
خارج الفصل، تفجرت النقاشات مرة أخرى حول التحريف وممكناته، خاصة مع وجود سوابق في هذا المجال.. وتجرأ على إسماعيل الكضاب على السؤال: "لماذا لاتكون هذه الكتب التي تخفى عنا ولم نقرأها هي الصحيحة؟ وإلا لماذا تخفى؟". وتكاثرت الجراثيم الإبليسية أو ما يسمى (حب المعرفة) في تلك الأذهان. ولكن جومو ظل ممسكاً بطرف الحكاية: فما أن التقى بجيمس آيول حتى أسرع في محاولة أحراجه بالسؤال الذي يؤورقه هو:
ـ إنت مش مؤمن بالتوراة؟
ـ أيوه ‍‍ ‍‍‍
ـ طيب إنت قريتو ولاّ مؤمن بيهو ساي؟؟
وكانت المفاجأة التي لم يتوقعها جومو هي الإجابة ب (نعم)!!
ـ طيب والزبور؟؟
ـ كمان ..‍
ـ وإنت الكتب دي لقيتها وين؟؟
ـ ما في كتاب مقدس!! ‍ إنت ما بعرف؟‍
ـ الكتاب المقدس دة مش الإنجيل؟؟
ـ كتاب مقدس ده فيهو عهد قديم وعهد جديد، وعهد جديد ده يا هو إنجيل ‍
ومع دهشة الاكتشاف:
ـ طيب إنت عندك الكتاب المقدس ده؟
ـ أيوة ‍
ـ ممكن أجي بعدين استلفو منك؟ بس أقراه وأرجعو ليك؟
ـ ياخي أنا بديهو ليك مرة واحد...
كذب جومو على فريني، حين لمحه الأخير حاملاً حقيبته المدرسية خارجاً وهو لم يغير ملابس المدرسة بعد، بأنه: "ماشي أشرح عربي لجيمس آيول". ولما استدرك أن إجابته تلك قد تفتح منفذاً يحشر فيه أولاد قرف أنوفهم، مر على آيول وأخذ (ما حاك في النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس) وخرج إلى (هناك)؛ لكي يجلس تحت شجرة النيم الظليلة، خلف المدرسة، وراء ميز المدرسين؛ حيث لا يمر مار في تلك الساعة من النهار. ولكن حكم العادة ساقه ليجد قدميه وقد عتبتا على باب المدرسة! قال: "حسناً، سأدلف من الناحية الأخرى". ولكن شاءت (دروب إبليس) أن توقعه في الشر! فها هو السيد المدير قد فتح بوابة ميز المدرسين وصاح:
ـ ياولد ..
ارتبك جومو، وتحسس حقيبته بعد أن غامره إحساس بأن السيد المدير لابد ناظر إلى محتوياتها. بيد أن الطامة الكبرى جاءت لما أضاف السيد المدير:
"خُت الشنطة دي هنا.. وأمشي جيب الغدا من البيت"..
"استر يارب ..". قالها جومو في نفسه، ولعن الطالع الذي ساقه إلى هذه الورطة. ولكنه لم يجد مفراً من تنفيذ الأمر.
نقر الباب، ففتحت له نازك، بنت المدير، التي كانت هي في عمره تماماً وفي نفس السنة الدراسية. كان وجهها مثل (شيء) لم يفكر فيه من قبل، عيناها جميلتان، وخصلات من شعرها طائرة، مسحتها بيدها غير التي تحمل (كتاب العلوم). رأى حبة الشباب النابتة على خدها الأيسر.
ـ اتفضل..
ـ عايز الغدا..
ـ يا ماما.. عايزين الغدا.
قالت، ثم أضافت: "مش أنتو المثلتو المسرحية؟"
ـ أيوه..
ابتسمت واستدارت، ثم انحنت لتعبر تحت قوس الليمون باتجاه الباب النملية. رأى (أقواس النار) واضحة، ثم عاد إلى وقفته ليستمع إلى زوجة المدير وهي تأمر الخادمة: "هذا هنا. وهذا هناك.."، وهو لم يزل به من الارتباك، يفكر فيما يمكن أن يحدث لحقيبته؛ "أليس من الممكن أن تحدث صدفة أخرى، كان يفتح السيد المدير الحقيبة ليستعير قلماً أو ورقة مثلاً؟ أليس من الممكن أن تنتاب المدير لحظة فضول ويحاول أن يعرف كيف يكتب طلابه الإنشاء مثلاً؟". ولكنه رتب في ذهنه إجابة مقنعة للطوارئ: "سأقول أن جيمس نسبه في الدرج، وأنا أخذته لأوصله إليه.. إجابة مقنعة.. ثم يا ولد إنت ناسي إنك ممثل؟".

_________________
** مـــشرف المنـــــتدى الـــــــثقافـــــي **
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الرواية الاكثر من رائعة (الطريق للمدن المستحيلة) ج 1
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى كلية الهندسة  :: المنتديات :: المنتدى الثقافي-
انتقل الى: